ابن الجوزي

13

صفة الصفوة

المسجد فصلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو ، وقال في دعائه : يا رب استغاث بك عبادك فلم تسقهم ، يا رب الآن شمتت بنا اليهود والنصارى ، أقسمت عليك يا رب إلا سقيتنا الساعة ولم تردّني . قال : فما برح يدعو حتى جاءت السحابة ومطرنا فخرج وخرجت في أثره لأعرف موضعه فجاء إلى دار فيها أخصاص وأكواخ فيها سكان فدخل بيتا منها فعرفت موضعه . فانصرفت عنه وهيأت دراهم في صرة ثم جئت فاستأذنت عليه فدخلت فإذا ليس في البيت إلا قطعة حصير ومطهرة فيها ماء ، وإذا هو قاعد يعمل الخوص فسلمت فرحب بي وبشّ فتحدثت ساعة ثم أخرجت الصرة وقلت : رحمك اللّه انتفع بهذه فتبسم وقال : جزاك اللّه خيرا أنا في غنى عنها . فألححت عليه فجعل يدعو ويأبى أن يأخذها . فلما أكثرت عليه تنكّر لي وقال : حسبك الآن ليس بي إليها حاجة . قال : فأقبلت عليه وقلت : رحمك اللّه إن لي عليك حقا قال : وما هو رحمك اللّه ؟ قلت : كنت أسمع دعاءك حين خرجت إلى الجبّان . قال : فاصفرّ وجهه حتى أنكرته وساءه ما قلت له . ثم خرجت من عنده . فلما كان بعد ذلك بأيام أتيته فلما دخلت الدار جعل سكان الدار يصيحون بقيّم الدار : هو ذا هو قد جاء . فجاء إليّ فتعلق بي وقال : يا عدوّ نفسه ما صنعت بذاك الفتى الذي جئته اليوم الأول ؟ أي شيء أسمعته ؟ قلت : لا تعجل حتى أخبرك بالحديث ، فقال : إنك لما خرجت من عنده قام في الحال فأخذ حصيره ومطهرته وودعنا وخرج ولم يعد إلينا إلى الساعة لا ندري أين توجّه ؟ 575 - عابد آخر عن مالك بن دينار « 1 » قال : احتبس علينا المطر بالبصرة فخرجنا يوما بعد يوم نستسقي فلم نر أثرا لإجابة . فخرجت أنا وعطاء السليمي وثابت البناني ومحمد بن واسع وحبيب الفارسي وصالح المرّيّ وآخرين حتى صرنا إلى المصلى بالبصرة فاستسقينا فلم نر أثرا لإجابة . وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت في المصلّى فلما

--> ( 1 ) هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري الزاهد المشهور ، توفي سنة سبع وعشرين ومائة .